أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
169
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
فالمفعول محذوف على قراءة الكوفيين ، وهي أبلغ في الذم ، فإنها تتضمن قبح فعلهم ، حيث ضلّوا في أنفسهم ، وأضلّوا غيرهم ، كقوله تعالى : وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ « 1 » . وقراءة الفتح لا تحوج إلى حذف فرجحها بعضهم بهذا ، وأيضا فإنهم أجمعوا على الفتح في ص عند قوله : إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ « 2 » . وقوله : « بِأَهْوائِهِمْ » متعلّق ب « يضلّون » ، والباء سببية ، أي : بسبب اتباعهم أهواءهم وشهواتهم . وقوله : « بِغَيْرِ عِلْمٍ » متعلّق بمحذوف ، لأنه حال : أي : يضلّون مصاحبين للجهل ، أي : ملتبسين بغير علم . قوله : وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ . هذه الجملة فيها أوجه : أحدها : أنها مستأنفة ، قالوا : ولا يجوز أن تكون منسوقة على ما قبلها ، لأن الأولى طلبية ، وهذه خبرية ، وتسمى هذه الواو واو الاستئناف . والثاني : أنها منسوقة على ما قبلها ، ولا يبالي بتخالفها ، وهو مذهب سيبويه ، وقد تقدم « 3 » تحقيق ذلك وقد أوردت من ذلك شواهد صالحة من شعر وغيره . والثالث : أنها حالية ، أي : لا تأكلوه ، والحال أنّه فسق ، وقد تبجح الفخر الرازي بهذا الوجه على الحقيقة ، حيث قلب دليلهم عليهم بهذا الوجه ، وذلك أنهم يمنعون من أكل متروك التسمية ، والشافعية لا يمنعون منه . استدل عليهم الحنفية بظاهر هذه الآية ، فقال الرازي : « هذه الجملة حالية ، ولا يجوز أن تكون معطوفة لتخالفهما طلبا وخبرا ، فتعين أن تكون حالية . وإذا كانت حالية كان المعنى : لا تأكلوه حال كونه فسقا . ثم هذا الفسق مجمل قد فسّره اللّه تعالى في موضع آخر فقال : أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ « 4 » - يعني إنه إذا ذكر على الذبيحة غير اسم اللّه فإنه لا يجوز أكلها لأنه فسق » . وقد يجاب بأن نقول : « ما أهل لغير اللّه به سلمنا أنه فسق » ، ونحن نقول به ، ولا يلزم من ذلك أنه إذا لم يذكر اسم اللّه ، ولا اسم غيره أن يكون حراما ، لأنه ليس بالتفسير الذي ذكرناه . وللنزاع فيه مجال من وجوه ، منها : أنا لا نسلم امتناع عطف الخبر على الطلب والعكس كما قدمته عن سيبويه . وإن سلم قالوا وللاستئناف كما تقدم ، وما بعدها مستأنف وإن سلم أيضا ، فلا نسلم أن « فسقا » في الآية الأخرى مبنيا للفسق في هذه الآية ، فإنّ هذا ليس من باب المجمل والمبيّن ، لأن له شروطا ليست موجودة هنا . وهذا الذي قاله مستمد من كلام الزمخشري ، فإنّه قال : « فإن قلت : قد ذهب جماعة من المجتهدين إلى جواز أكل ما لم يذكر اسم اللّه عليه بنسيان أو عمد . قلت : قد تأوله هؤلاء بالميتة وبما ذكر غير اسم اللّه عليه ، لقوله : أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ « 5 » . فهذا أصل ما ذكره ابن الخطيب وتبجح به . والضمير في « إِنَّهُ » يحتمل أن يعود على « الأكل » المدلول عليه ب « لا تَأْكُلُوا » ، وأن يعود على الموصول ، وفيه حينئذ تأويلان ، أن يجعل الموصول نفس الفسق مبالغة ، أو على حذف مضاف أي : وإنّ أكله لفسق ، أو على الذكر المفهوم من قوله : « ذكر » . قال الشيخ : والضمير في « إِنَّهُ » يعود على الأكل ، قاله الزمخشري ، واقتصر عليه . قلت : لم يقتصر عليه ،
--> ( 1 ) سورة المائدة ، آية ( 77 ) . ( 2 ) سورة ( ص ) ، آية ( 26 ) . ( 3 ) انظر آية ( 25 ) من سورة البقرة . ( 4 ) سورة الأنعام ، آية ( 145 ) . ( 5 ) سورة الأنعام ، آية ( 145 ) .